
شهدت منطقة الشرق الأوسط فجر السبت تصعيداً عسكرياً عقب تنفيذ الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات استهدفت أهدافاً عسكرية إيرانية، في تطور جاء بالتزامن مع استمرار مفاوضات غير مباشرة بين واشنطن وطهران في جنيف، وهو ما اعتبره مراقبون تجاهلاً للمسارات السياسية القائمة آنذاك.
وبحسب ما ورد في التقييمات السياسية المصاحبة للأحداث، فقد وُصف الهجوم بأنه يعكس اعتماد سياسة القوة العسكرية بالتوازي مع المسار التفاوضي، الأمر الذي اعتبره محللون رسالة مفادها أن المصالح الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية تبقى العامل الحاسم في تحديد مسارات الحرب والسلام في المنطقة.
ما تم وصفه بـ”الغدر الاستراتيجي” أثناء المفاوضات
شارت تقديرات سياسية إلى أن ما جرى فجر السبت لم يُنظر إليه كعملية عسكرية تقليدية فحسب، بل ما تم وصفه بـ “الغدر الاستراتيجي”، إذ تزامنت الضربات العسكرية مع إعلان الوسطاء العمانيين تحقيق “تقدم كبير” في الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف.
وفي السياق ذاته، كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد أعلن أن المحادثات أحرزت “تقدماً جيداً للغاية” فيما يتعلق بالبرنامج النووي والعقوبات، في وقت كانت فيه، وفق المعلومات المتداولة، القيادة المركزية الأمريكية بقيادة الأدميرال برادلي كوبر تعرض على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيارات عسكرية تراوحت بين ضربات محدودة على منصات الصواريخ والمواقع النووية وصولاً إلى حملة واسعة ومستدامة قد تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني.
وترى هذه التقديرات أن تزامن التقدم التفاوضي مع التحضير العسكري عزز الانطباع بأن المفاوضات استُخدمت كأداة ضغط بالتوازي مع الاستعدادات العسكرية.
القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج ودلالاتها الأمنية
وفي ضوء التطورات الأخيرة، أعادت تحليلات استراتيجية طرح تساؤلات حول طبيعة الدور الذي تؤديه القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، والتي رُوّج لها لعقود باعتبارها مظلة حماية للدول الحليفة.
وتشير القراءة التحليلية للأحداث إلى أن قاعدة العديد الجوية في قطر، والتي تُعد أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة ومقراً متقدماً للقيادة المركزية الأمريكية، لم تمنع ـ وفق ما ورد في التقييمات السياسية ـ استهداف الدوحة سابقاً من قبل إسرائيل، وسط رد أمريكي وُصف بالصامت، وهو ما اعتبره محللون مؤشراً على أن الوجود العسكري الأمريكي يرتبط أساساً بحماية المصالح الاستراتيجية الأمريكية وأمن إسرائيل.
كما استندت هذه القراءة إلى تقارير صادرة عن معاهد دراسات استراتيجية وصفت إسرائيل بأنها “أكبر حاملة طائرات أمريكية في العالم لا يمكن إغراقها”، مع الدعوة إلى تعزيز الخيارات العسكرية الأمريكية انطلاقاً من قواعد داخل إسرائيل مثل قاعدة “أوفدا”.
إسرائيل كعامل ثابت في السياسة الأمريكية بالمنطقة
وبحسب التحليل الوارد، فإن ما جرى يعزز رؤية تعتبر أن إسرائيل تمثل الحليف المركزي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حيث تستمر واشنطن في توفير الدعم العسكري والغطاء السياسي لها، فيما تُدار المفاوضات الإقليمية ضمن حدود تراعي الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية.
كما أشارت المعطيات إلى أن الضربة العسكرية ضد إيران جاءت بعد مشاورات وتحضيرات مشتركة بين الجانبين الأمريكي والإسرائيلي استمرت نحو ستة أشهر.
سوريا ضمن دائرة التداعيات المحتملة
بحسب الباحث المتخصص في الصراعات الدولية محمد عبد السلام، فإن التداعيات الاستراتيجية للتصعيد تنعكس مباشرة على سوريا، التي تمر بمرحلة انتقالية حساسة بقيادة الرئيس أحمد الشرع وتسعى لإعادة بناء علاقاتها الإقليمية والدولية.
وأشار عبد السلام إلى أن الرئيس الشرع كان قد حذر أمام الأمم المتحدة من استمرار الضربات الإسرائيلية ضد بلاده، معتبراً أنها تتناقض مع الدعم الدولي المعلن لسوريا وتهدد بخلق أزمات جديدة.
وأضاف أن المفارقة تكمن في أن الولايات المتحدة التي تتوسط في محادثات سورية-إسرائيلية في باريس هي نفسها التي نفذت ضربات ضد إيران أثناء استمرار المفاوضات، وهو ما يطرح تساؤلات حول حيادية الوساطة.
ووفق التقييم ذاته، فإن استمرار رفض حكومة بنيامين نتنياهو الانسحاب إلى حدود عام 1974 وبقاء السيطرة الإسرائيلية على نقاط استراتيجية داخل سوريا قد يجعل أي توتر مستقبلي قابلاً للتحول سريعاً إلى تصعيد عسكري أوسع، ما يضع سوريا ـ وفق هذا التحليل ـ أمام مخاطر مشابهة لما واجهته إيران.
خلاصة
تشير القراءة التحليلية للأحداث إلى أن الضربة العسكرية ضد إيران لم تُفسَّر فقط باعتبارها تطوراً عسكرياً منفصلاً، بل رسالة استراتيجية أوسع لدول المنطقة، مفادها أن التوازن بين التفاوض والقوة العسكرية يبقى خاضعاً لأولويات المصالح الاستراتيجية الأمريكية وتحالفاتها الإقليمية، الأمر الذي يستدعي ـ وفق التقديرات المطروحة ـ تعاطياً حذراً مع أي مسارات سياسية مستقبلية.
د. مناف سعد